محمد علي الحسن
248
المنار في علوم القرآن
وقد ذهب إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير ، وبيّن الحكم الشرعي في كل نوع فقال : إن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد وهي على ثلاثة أقسام : أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح . والثاني : ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه فذاك المرفوض . والثالث : ما هو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل . فهذا لا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته ، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني . ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا ، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب أهل الكهف ، ولون كلبهم وعددهم . وعصا موسى من أي الشجر كانت ، وأسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم ، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ونوع الشجرة التي كلّم اللّه عنها موسى ، إلى غير ذلك مما أبهمه اللّه تعالى في القرآن ، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ودنياهم ، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز « 1 » . بهذا التقسيم الدقيق والتحقيق البالغ من ابن كثير ، نستطيع أن نفهم الأحاديث الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشأن الإسرائيليات ، فقد روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » « 2 » . فهذا الحديث يتعلق بما وافق شرعنا . أما ما روي عن عمر أنه كان يقرأ في التوراة فغضب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا محمول على ما خالف شرعنا . أما ما سكت شرعنا عنه ، فلا هو من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا باللّه وما أنزل إلينا » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير . ج 1 ص 4 . ( 2 ) انظر صحيح البخاري في كتاب الأنبياء ح ( 3461 ) ، وقد أخرجه أحمد ( 2 / 159 ، 202 والترمذي ح ( 2669 ) . ( 3 ) الحديث لا تصدقوا أهل الكتاب . أخرجه البخاري في كتاب التفسير ح ( 4485 ) .